على عتبة الانفصام في العلاقات الدولية .. بقلم: د. نسيم الخوري صحيفة_الخليج الإمارات
تنحدر العلاقات الدولية في منزلقات وعرة ومتعكرة وغير طبيعية حافلة ببعث المخاطر القديمة التي ظلمت البشرية بشكل عام. هناك تجاوز فاقع لدبلوماسيات المخاطبة يشوه الديمقراطيات، وهناك خروج كاذب من الحروب الباردة، وهناك تقاطعات شرسة ومعقدة في علاقات الدول الكبرى فوق الأرض التي لا تتجاوز نقطة يجب تقاسم ثوراتها الممسوحة وتفريق قاطنيها.
أصبح «المرض» هو الوجه الآخر للحكم وكبس الشعوب في مربعات لإعادة قولبتها. تحت هذه العلاقات تندرج نجومية شخصيات وزعامات دولية تتقزم أمامي، قياساً على تاريخ سياسة الناس، وهي بسلوكها النزق مسؤولة عن معظم أزمات العالم وإشاعة الخوف، من حروب نووية مستحيلة التحقيق، ولو أنها على الألسن وفي التقارير والأحاديث والتصريحات المرتجلة. قد يقودني الأمر إلى قياس الذكاء الضامر لدى العديد من زعماء هذا العالم لمعاينة الأمراض الحديثة في الحكم، وكذلك السادية والمغالاة في المواقف والتهديدات والانفعالات الدولية. يكشف لي هذا الزمن كماً من الأزمات النفسية الجديدة العائدة ربما إلى «اللااتصالية» ببعدها الإنساني التي تورثها ثقافات التواصل الصامتة أو المختصرة أو الفارغة من ضجة العقل، وإنني لأتجرأ بالقول إنهم يتزاحمون فوق عتبة ما أسميه الانفصام السياسي العالمي أو Schizophrénie Mondialeيمكن التذكير بالحقب الأولى من تكوين اجتماعية الإنسان وهي ثمرة للكلام والتقارب والحوار، وقد أورثت الحضارات من التعاضد لتحقيق استطالات الحواس الخمس لتضمر كلها أمام «طوفان» الحضارة البصرية والنجومية والفردية الطاغية. كان الغرب المدمى والمنكوب يحلم بمجتمع دولي يعيد بناء العائلة الإنسانية الواحدة عبر المنظمات الدولية التي سرعان ما أفرغت من جمالها، وغرقت الدنيا أكثر فأكثر في حاجات الحكم العصرية ولو بسحق الآخرين على وجه الأرض، إن لم يتكلموا لغة السوق بالسليقة. ولد الانفصام مبكراً في عائلة الغرب الصناعي وتفشى ممهداً للتكنولوجيا التواصلية في العالم. وإذا كنا، في المجتمعات الشرقية، لا نحفل كثيراً بوطأة هذه المسائل بعد، فإنني أبشركم بأن رفض الواقع والرحيل عنه ظاهرة أولى تليها أخرى من عيادات الأمراض النفسية المتفشية في بلادنا لا بنتائجها الخطيرة؛ بل لكونها موضة تحقق المعاصرة، مع أننا بالإجمال، ما زلنا في الحقبة الذهبية للتواصل الاجتماعي قياساً على المجتمعات «الإنترنتية» في العالم. الغرب متعب ومطروح منذ زمن بعيد على كنبة وثيرة، يُحفّزه الأطباء النفسيون على الشكوى بما يبرئ العقل ويصفّيه من أسقامه الكثيرة، وحروبه المقيمة والمصدّرة، إلى حد غياب الذكاء في تفسير وفهم العلاقات الدولية الشاملة. ما معنى قياس الذكاء لحاكم، بالمعنى الكمي، في عصر يتقزم فيه الإنسان المعاصر تجاه مبتكراته، وتختفي العلاقات البشرية والإنسانية وتذوب قواميس العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية والقوانين الكثيرة التي تركز على الخصوصيات. لست هنا للبحث في ميادين الطب النفسي La Psychiatrie أو علم النفس التحليلي؛ بل في ميادين علم النفس السلوكي لبعض الحكام وهم يمسكون زمام الدول لكنهم يخضعون لقواميس العلاجات السلوكية التي لا تحد، وتجعلنا نتصور أننا مثلهم بحاجة دائمة حيال أي علاج نختار، وكأننا في مطعم يشرح العلاجات في قوائم متجددة من الطعام. ما يناسب واحداً لا يناسب الآخر، وما يروق للأول قد يزعج الثاني، خصوصاً أن عناصر «لاواعية» تتحكم في عملية الاختيار الصعب للقرار الدولي. المهم في الأمر مدى تقبّل الحاكم وتجاوبه مع هذه الطريقة في المعالجة أو رفضها. ويعني التجاوب الاتصال والكلام والعلاقات والاعتراف بالإنسانية المختلفة، تحدياً لانتصار الهامشية وتحقيقاً للذوات البشرية في البحث عن طاقاتها الإنسانية لا بنكوصها نحو الحيوانية الشرسة المدمرة. ليس أكثر من علماء السلوك من علقوا أهميّة كبرى لإعادة توليد حاجات الاتصال الاجتماعي في تحقيق القواعد السليمة لنمو المجتمعات، حيث حاجات الحضور والحركة واللغة بمعنى الكلام واستفراغ الأخطاء على طاولة المعالجين. هكذا بدت مسألة المعالجات من الأمراض «اللااتصالية» محكومة بالفشل، إن لم تقم على مبدأ تنمية الشخصية بالانفتاح والحوار وجهاً لوجه، بهدف تحقيق الذات كضرورة من ضرورات توافر ظروف التفاعلات الداخلية والخارجية لبقاء المنظومات، وحيث يطرح الحاكم على نفسه السؤال: ماذا أريد بالضبط؟ وما هي النتائج التي أتوقعها من الكلام في موقف معيّن؟ وكيف أحدّد رغباتي في هذا المجال؟ وماذا بعد السلطة مهما كانت؟ أليس سوى العدم. ليس صحيحاً أن المسافة بين المريض والسوي لا شأن لها، ولا شأن للحكم القائم على «الباتولوجيا»، وكأنه نوع من الموضة الخارجة عن السيطرة وإمكانية التخلص من الفردانية والاستبدادية القاتلة لل«أنا»، التي غالباً ما تذوب في دماء ال«هم» مهما تجبّرت في أصول حكم الشعوب والناس.
الإمارات العربية المتحدة أحدث الأخبار, الإمارات العربية المتحدة عناوين
Similar News:يمكنك أيضًا قراءة قصص إخبارية مشابهة لهذه التي قمنا بجمعها من مصادر إخبارية أخرى.
العويس: الإقبال الكبير على طلبات الترشح دليل على الإيمان بدور
اقرأ أكثر »
فريق طبي في «توام» يعيد القدرة على المشي لمريضينتمكن فريق جراحة العظام بمستشفى توام، من إعادة الأمل لشاب من أصحاب الهمم، خضع لعملية تطويل عظام الساق وتقويم الإعوجاج، بها ما مكنّه من المشي بمساعدة عكازين والتخلي عن استعمال الكرسي المتحرك
اقرأ أكثر »
غارات على غزة وصواريخ على المستوطناتقصفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي، فجر أمس، مواقع في قطاع غزة بذريعة الرد على إطلاق صاروخ باتجاه مستوطنات غلاف غزة، فيما اعتقلت قوات الاحتلال 17 فلسطينياً، بينهم حراس في المسجد الأقصى المبارك.
اقرأ أكثر »
تعثر على ماسة ثمينة عن طريق فيديو على 'يوتيوب'عثرت أمريكية على ماسة قيّمة تقدر قيمتها بآلاف الدولارات. وكانت ميراندا هولينجسهيد (27 عاماً) تزور متنزه أركيرتس كريتر أوف دياموندز ستيت في ولاية أركنساس مع أسرتها، عندما اكتشفت الماسة، بعد مشاهدة فيديو تعليمي على موقع 'يوتيوب' حول كيفية اكتشاف الماس.وزارت
اقرأ أكثر »
ترامب يطعن على حكم قضائي يمنعه من حظر متابعيه على 'تويتر'طعن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قرار محكمة استئناف اتحادية قضت بانتهاكه الدستور الأمريكي عندما حظر حسابات بعض مستخدمي تويتر من متابعة حسابه بعدما أدلوا بآراء لم تعجبه.
اقرأ أكثر »




